ابن حمدون

414

التذكرة الحمدونية

قال : ما هيبتي في قفاي بدون هيبتي في وجهي ، وما أذهب عيني عبث ولكن مطاعنة المعث . 9 ) ثم قام عمرو بن معدي كرب الزبيدي فقال : إنّ المرء بأصغريه : قلبه ولسانه ، فبلاغ المنطق الصواب ، وملاك النجدة الارتياد ، وعفو الرأي خير من استكراه الفكرة ، وتوقيف الخيرة خير من اعتساف الخيرة ، فاجتبذ طاعتنا بلطفك ، واكظم بادرتنا بحلمك ، وألن لنا كنفك ، يسلس لك قيادنا ؛ وإنّا أناس لم يكسر صفاتنا قراع منافر أراد لها قصما ، ولكن منعنا حمانا من كلّ من رام لنا هضما . 10 ) ثم قام الحارث بن ظالم فقال : إنّ من آفة المنطق الكذب ، ومن لؤم الأخلاق الملق ، ومن خطل الرأي صفة الملك المسلط ، فإن أعلمناك أنّ مواجهتنا لك من ائتلاف ، وانقيادنا لك عن إنصاف ، ما أنت لقبول ذلك منا بخليق وللاعتماد عليه بحقيق ، ولكن الوفاء بالعهود وإحكام ولث العقود ، والأمر بيننا وبينك معتدل ، ما لم يأت من قبلك ميل وزلل . قال كسرى : من أنت ؟ قال : الحارث بن ظالم ، قال : إنّ في أسماء آبائك لدليلا على قلَّة وفائك ، وأن تكون أولى بالغدر ، وأقرب من الوزر . قال الحارث : إنّ في الحق مغضبة والسر والتغافل ، ولم يستوجب أحد الحكم إلا مع المقدرة ، فليشبه أفعالك مجلسك . فقال كسرى : هذا فتى القوم . ثم قال كسرى : قد فهمت ما نطق فيه خطباؤكم ، وتفنّن فيه متكلَّموكم ، ولولا أني أعلم أنّ الأدب لم يثقف أودكم ولم يحكم أموركم ، وأنه ليس لكم ملك يجمعكم فتنطقون عنده منطق الرعيّة الخاضعة الباخعة ، فنطقتم بما استولى على ألسنتكم وغلب على طبائعكم ، لم أجز لكم كثيرا مما تكلمتم به ، وإنني لأكره أن أجبه وفودي وأخشّن صدورهم ، وللذي [ أطلب ] أحبّ من إصلاح مدبركم ، وتألَّف سوادكم والإعذار إلى اللَّه فيما بيني وبينكم ، وقد قبلت ما كان من منطقكم من صواب ، وصفحت عما فيه من خلل ، فانصرفوا إلى ملككم